كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَزِيدُ مِنْ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة ‏"‏ ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ‏"‏ الحديث، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الفتن‏.‏

وحديث نوفل بن معاوية قال مثل حديث أبي هريرة، وسيأتي شرح المتن في الفتن، وقوله ‏(‏وعن الزهري‏)‏ هو بإسناد حديث أبي هريرة إلى الزهري، ووهم من زعم أنه معلق، وقد أخرجه مسلم بالإسنادين معا من طريق صالح بن كيسان عن الزهري، وقوله ‏(‏إلا أن أبا بكر‏)‏ يعني ابن عبد الرحمن شيخ الزهري‏.‏

وقوله ‏(‏يذيد من الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله‏)‏ يحتمل أن يكون أبو بكر زاد هذا مرسلا، ويحتمل أن يكون زاده بالإسناد المذكور عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود عن نوفل بن معاوية، وعبد الرحمن هذا هو أخو عبد الله بن مطيع الذي ولي الكوفة، وهو مذكور في الصحابة، وأما عبد الرحمن فتابعي على الصحيح، وقد ذكره ابن حبان وابن منده في الصحابة، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وشيخه نوفل بن معاوية صحابي قليل الحديث من مسلمة الفتح، عاش إلى خلافة يزيد بن معاوية، ويقال إنه جاوز المائة، وليس له في البخاري أيضا غير هذا الحديث، وهو خال عبد الرحمن بن مطيع الراوي عنه‏.‏

قال الزبير بن بكار‏:‏ اسم أمه كلثوم، والمراد بالصلاة المذكورة صلاة العصر، كذا أخرجه النسائي مفسرا من طريق يزيد بن أبي حبيب ‏"‏ عن عراك بن مالك عن نوفل بن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ من الصلاة صلاة ‏"‏ فذكر مثل لفظ أبي بكر بن عبد الرحمن وزاد ‏"‏ قال فقال ابن عمر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هي صلاة العصر ‏"‏ وقد تقدم في الصلاة في المواقيت حديث بريدة في ذلك مشروحا، وهو شاهد لصحة قول ابن عمر هذا والله أعلم‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ ذكر البخاري هذه الزيادة هنا استطرادا لوقوعها في الحديث الذي أراد إيراده في هذا الباب، والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ

الشرح‏:‏

حديث ابن مسعود ‏"‏ ستكون أثرة ‏"‏ يأتي الكلام عليه أيضا في الفتن إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ قَالَ مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة في قريش، وسيأتي أيضا في الفتن‏.‏

وقوله هنا في الطريق الأولى ‏"‏ قال محمود حدثنا أبو داود ‏"‏ أراد بذلك تصريح أبي التياح بسماعه له من أبي زرعة بن عمرو، وأبو داود هذا هو الطيالسي، ولم يخرج له المصنف إلا استشهادا، ومحمود هذا هو ابن غيلان أحد مشايخه المشهورين، وقد نزل المصنف في الإسناد الأول درجة بالنسبة إلى أبي أسامة، لأنه سمع من الجمع الكثير من أصحابه حتى من شيخ شيخه في هذا الحديث وهو أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة والإسماعيلي من رواية أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة عن أبي أسامة وهما ممن أكثر عنهما البخاري، وكأنه فاته عنهما‏.‏

ونزل فيه أيضا بالنسبة لرواية شعبة درجتين لأنه سمع من جماعة من أصحابه، وهو من غرائب حديث شعبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَسَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقُ يَقُولُ هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ مَرْوَانُ غِلْمَةٌ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ

الشرح‏:‏

وقوله في الطريق الثانية ‏"‏ فقال مروان‏:‏ غلمة ‏"‏ قال الكرماني تعجب مروان من وقوع ذلك من غلمة، فأجابه أبو هريرة ‏"‏ إن شئت صرحت بأسمائهم ‏"‏ انتهى، وكأنه غفل عن الطريق المذكورة في الفتن فإنها ظاهرة في أن مروان لم يوردها مورد التعجب، فإن لفظه هناك ‏"‏ فقال مروان‏:‏ لعنة الله عليهم غلمة ‏"‏ فظهر أن في هذا الطريق اختصارا، ويحتمل أن يتعجب من فعلهم ويلعنهم مع ذلك، والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ

الشرح‏:‏

حديث حذيفة ‏"‏ كان الناس يسألون عن الخير ‏"‏ يأتي في الفتن مع شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ

الشرح‏:‏

وقوله في الطريق الأخرى ‏"‏ تعلم أصحابي الخير وتعلمت الشر ‏"‏ هو طرف من الطريق الآخر وهو بمعناه، وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه باللفظ الأول إلا أنه قال ‏"‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ بدل قوله ‏"‏ كان الناس‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان ‏"‏ الحديث، أورده من طريقين، وفي الثانية ذكر الدجالين، وهو حديث آخر مستقل من ‏"‏ صحيفة همام‏"‏، وقد أفرده أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم، وقوله ‏(‏فئتان‏)‏ بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة تثنية فئة أي جماعة، ووصفهما في الرواية الأخرى بالعظم أي بالكثرة، والمراد بهما من كان مع علي ومعاوية لما تحاربا بصفين، وقوله ‏(‏دعواهما واحدة‏)‏ أي دينهما واحد لأن كلا منهما كان يتسمى بالإسلام، أو المراد أن كلا منهما كان يدعي أنه المحق، وذلك أن عليا كان إذ ذاك إمام المسلمين وأفضلهم يومئذ باتفاق أهل السنة، ولأن أهل الحل والعقد بايعوه بعد قتل عثمان، وتخلف عن بيعته معاوية في أهل الشام، ثم خرج طلحة والزبير ومعهما عائشة إلى العراق فدعوا الناس إلى طلب قتلة عثمان لأن الكثير منهم انضموا إلى عسكر علي، فخرج علي إليهم فراسلوه في ذلك فأبى أن يدفعهم إليهم إلا بعد قيام دعوى من ولي الدم وثبوت ذلك على من باشره بنفسه، وكان بينهم ما سيأتي بسطه في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى‏.‏

ورحل علي بالعسكر طالبا الشام، داعيا لهم إلى الدخول في طاعته، مجيبا لهم عن شبههم في قتلة عثمان بما تقدم، فرحل معاوية بأهل الشام فالتقوا بصفين بين الشام والعراق فكانت بينهم مقتلة عظيمة كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وآل الأمر بمعاوية ومن معه عند ظهور علي عليهم إلى طلب التحكيم، ثم رجع علي إلى العراق، فخرجت عليه الحرورية فقتلهم بالنهروان ومات بعد ذلك، وخرج ابنه الحسن بن علي بعده بالعساكر لقتال أهل الشام وخرج إليه معاوية فوقع بينهم الصلح كما أخبر به صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة الآتي في الفتن ‏"‏ إن الله يصلح به بين فئتين من المسلمين ‏"‏ وسيأتي بسط جميع ذلك هناك إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى يبعث‏)‏ بضم أوله أي يخرج، وليس المراد بالبعث معنى الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى ‏(‏إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين‏)‏ ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏دجالون كذابون‏)‏ الدجل التغطية والتمويه، ويطلق على الكذب أيضا، فعلى هذا ‏"‏ كذابون ‏"‏ تأكيد‏.‏

وقوله ‏(‏قريبا من ثلاثين‏)‏ كذا وقع بالنصب وهو على الحال من النكرة الموصوفة، ووقع في رواية أحمد ‏"‏ قريب ‏"‏ بالرفع على الصفة، وقد أحرج مسلم من حديث جابر بن سمرة الجزم بالعدد المذكور بلفظ ‏"‏ أن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا رجالا كلهم يزعم أنه نبي ‏"‏ وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن عبد الله بن الزبير تسمية بعض الكذابين المذكورين بلفظ ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا منهم مسيلمة والعنسي والمختار‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، وفيها يقول شبيب بن ربعي وكان مؤدبها‏:‏ أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أن سجاح أيضا تابت، وأخبار هؤلاء مشهورة عند الأخباريين‏.‏

ثم كان أول من خرج منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير فأظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين فتبعهم فقتل كثيرا ممن باشر ذلك أو أعان عليه فأحبه الناس، ثم زين له الشيطان أن ادعى النبوة وزعم أن جبريل يأتيه، فروى أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن رفاعة بن شداد قال ‏"‏ كنت أبطن شيء بالمختار فدخلت عليه يوما فقال‏:‏ دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي ‏"‏ وروى يعقوب بن سفيان بإسناد حسن عن الشعبي أن الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر أنه نبي، وروى أبو داود في ‏"‏ السنن ‏"‏ من طريق إبراهيم النخعي قال قلت لعبيدة بن عمرو‏:‏ أترى المختار منهم‏؟‏ قال‏:‏ أما إنه من الرؤوس‏.‏

وقتل المختار سنة بضع وستين‏.‏

ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل‏.‏

وخرج في خلافة بني العباس جماعة‏.‏

وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت له شبهة كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر، وسيأتي بسط كثير من ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ فَقَالَ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ

الشرح‏:‏

حديث أبي سعيد في ذكر ذي الخويصرة، وقد تقدم طرف منه في قصة عاد من أحاديث الأنبياء، وأحلت على شرحه في المغازي وهو في أواخرها من وجه آخر مطولا، وقوله في هذه الرواية ‏"‏ فقال عمر ائذن لي أضرب عنقه ‏"‏ لا ينافي قوله في تلك الرواية ‏"‏ فقال خالد ‏"‏ لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك‏.‏

وقوله هنا ‏"‏ دعه فإن له أصحابا ‏"‏ ليست الفاء للتعليل وإنما هي لتعقيب الأخبار، والحجة لذلك ظاهرة في الرواية الآتية‏.‏

وقوله ‏(‏لا يجاوز‏)‏ ويحتمل أنه لكونه لا تفقهه قلوبهم ويحملونه على غير المراد به، ويحتمل أن يكون المراد أن تلاوتهم لا ترتفع إلى الله، وقوله ‏(‏يمرقون من الدين‏)‏ إن كان المراد به الإسلام فهو حجة لمن يكفر الخوارج، ويحتمل أن يكون المراد بالدين الطاعة فلا يكون فيه حجة وإليه جنح الخطابي، وقوله ‏(‏الرمية‏)‏ بوزن فعيلة بمعنى مفعولة وهو الصيد المرمي، شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد شيء‏.‏

وقوله ‏(‏ينظر في نصله‏)‏ أي حديدة السهم و ‏"‏ رصافه ‏"‏ بكسر الراء ثم مهملة ثم فاء عصبه الذي يكون فوق مدخل النصل، والرصاف جمع واحده رصفة بحركات و ‏"‏ نضيه ‏"‏ بفتح النون وحكي ضمها وبكسر المعجمة بعدها تحتانية ثقيلة قد فسره في الحديث بالقدح بكسر القاف وسكون الدال أي عود السهم قبل أن يراش وينصل، وقيل هو ما بين الريش والنصل قاله الخطابي، قال ابن فارس‏:‏ سمي بذلك لأنه بري حتى عاد نضوا أي هزيلا‏.‏

وحكى الجوهري عن بعض أهل اللغة أن النضي النصل، والأول أولى، و ‏"‏ القذذ ‏"‏ بضم القاف ومعجمتين الأولى مفتوحة جمع قذة وهي ريش السهم يقال لكل واحدة قذة، ويقال هو أشبه به من القذة بالقذة لأنها تجعل على مثال واحد‏.‏

وقوله ‏(‏آيتهم‏)‏ أي علامتهم، وقوله ‏(‏بضعة‏)‏ بفتح الموحدة أي قطعة لحم، وقوله ‏(‏تدردر‏)‏ بدالين وراءين مهملات أي تضطرب، والدردرة صوت إذا اندفع سمع له اختلاط، وقوله ‏(‏على حين فرقة‏)‏ أي زمان فرقة، وهو بضم الفاء أي افتراق‏.‏

وفي رواية الكشميهني ‏"‏ على خير ‏"‏ بخاء معجمة وراء أي أفضل، وفرقة بكسر الفاء أي طائفة وهي رواية الإسماعيلي، ويؤيد الأول حديث مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد ‏"‏ تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق ‏"‏ أخرجه هكذا مختصرا من وجهين، وفي هذا وفي قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏تقتل عمارا الفئة الباغية ‏"‏ دلالة واضحة على أن عليا ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم، والله أعلم‏.‏

وقوله في آخر الحديث ‏"‏ فأتي به ‏"‏ أي بذي الخويصرة ‏"‏ حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته ‏"‏ يريد ما تقدم من كونه أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة إلخ، قال بعض أهل اللغة‏:‏ النعت يختص بالمعاني كالطول والقصر والعمى والخرس، والصفة بالفعل كالضرب والجروح‏.‏

وقال غيره‏:‏ النعت للشيء الخاص والصفة أعم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الشرح‏:‏

حديث علي في الخوارج وسيأتي شرحه في استتابة المرتدين‏.‏

وقوله ‏"‏سويد بن غفلة ‏"‏ بفتح المعجمة والفاء، قال حمزة الكناني صاحب النسائي‏:‏ ليس يصح لسويد عن علي غيره‏.‏

وقوله ‏(‏الحرب خدعة‏)‏ تقدم ضبطه وشرحه في الجهاد‏.‏

وقوله ‏(‏حدثاء الأسنان‏)‏ أي صغارها، و ‏"‏ سفهاء الأحلام ‏"‏ أي ضعفاء العقول‏.‏

وقوله ‏(‏يقولون من قول خير البرية‏)‏ أي من القرآن كما في حديث أبي سعيد الذي قبله ‏"‏ يقرءون القرآن ‏"‏ وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم‏:‏ لا حكم إلا الله، وانتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها‏.‏

وقوله ‏(‏فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فإن قتلهم‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ

الشرح‏:‏

حديث خباب، وسيأتي شرحه قريبا في ‏"‏ باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة ‏"‏ وقوله فيه ‏"‏ فيجاء ‏"‏ كذا للأكثر بالجيم‏.‏

وقال عياض وقع في رواية الأصيلي بالحاء والمهملة وهو تصحيف، والفيح الباب الواسع ولا معنى له هنا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت‏)‏ يحتمل أن يريد صنعاء اليمن، وبينها وبين حضرموت من اليمن أيضا مسافة بعيدة نحو خمسة أيام، ويحتمل أن يريد صنعاء الشام والمسافة بينهما أبعد بكثير، والأول أقرب، قال ياقوت‏:‏ هي قرية على باب دمشق عند باب الفراديس تتصل بالعقيبة‏.‏

قلت‏:‏ وسميت باسم من نزلها من أهل صنعاء اليمن‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ فَرَجَعَ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ

الشرح‏:‏

حديث أنس في قصة ثابت بن قيس بن شماس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنبأني موسى بن أنس‏)‏ كذا رواه من طريق أزهر عن ابن عون، وأخرجه أبو عوانة عن يحيى بن أبي طالب عن أزهر، وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية يحيى بن أبي طالب، ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين عن أزهر فقال ‏"‏ عن ابن عون عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ‏"‏ بدل موسى بن أنس، أخرجه أبو نعيم عن الطبراني عنه وقال‏:‏ لا أدري ممن الوهم قلت‏:‏ لم أره في مسند أحمد، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن عون عن موسى بن أنس قال ‏"‏ لما نزلت ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم‏)‏ قعد ثابت بن قيس في بيته ‏"‏ الحديث، وهذا صورته مرسل إلا أنه يقوي أن الحديث لابن عون عن موسى لا عن ثمامة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏افتقد ثابت بن قيس‏)‏ أي ابن شماس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع عند مسلم من وجه آخر عن أنس قال ‏"‏ كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال رجل‏)‏ وقع في رواية لمسلم من طريق حماد عن ثابت عن أنس ‏"‏ فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال‏:‏ يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى‏؟‏ فقال سعد‏:‏ إنه كان لجاري وما علمت له بشكوى ‏"‏ واستشكل ذلك الحفاظ بأن نزول الآية المذكورة كان في زمن الوقود بسبب الأقرع بن حابس وغيره وكان ذلك في سنة تسع كما سيأتي في التفسير وسعد بن معاذ مات قبل ذلك في بني قريظة سنة خمس، ويمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة وهو قوله‏:‏ ‏(‏لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏)‏ وقد نزل من هذه السورة سابقا أيضا قوله‏:‏ ‏(‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا‏)‏ فقد تقدم في كتاب الصلح من حديث أنس وفي آخره أنها نزلت في قصة عبد الله بن أبي ابن سلول‏.‏

وفي السياق ‏"‏ وذلك قبل أن يسلم عبد الله ‏"‏ وكان إسلام عبد الله بعد وقعة بدر، وقد روى الطبري وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب ‏"‏ حدثني أبو ثابت بن ثابت بن قيس قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية قعد ثابت يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال له رسول الله‏:‏ أما ترضى أن تعيش حميدا ‏"‏ الحديث، وهذا لا يغاير أن يكون الرسول إليه من النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ‏.‏

وروى ابن المنذر في تفسيره من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس في هذه القصة ‏"‏ فقال سعد بن عبادة يا رسول الله هو جاري ‏"‏ الحديث، وهذا أشبه بالصواب لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ لأنه من قبيلة أخرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنا أعلم لك علمه‏)‏ كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية حكاها الكرماني ‏"‏ ألا ‏"‏ بلام بدل النون وهي للتنبيه، وقوله ‏"‏أعلم لك ‏"‏ أي لأجلك وقوله ‏"‏ علمه ‏"‏ أي خبره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يرفع صوته‏)‏ كذا ذكره بلفظ الغيبة وهو التفات، وكان السياق يقتضي أن يقول‏:‏ كنت ارفع صوتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا‏)‏ أي مثل ما قال ثابت أنه لما نزلت ‏(‏لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي‏)‏ جلس في بيته وقال‏:‏ أنا من أهل النار‏.‏

وفي رواية لمسلم ‏"‏ فقال ثابت‏:‏ أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال موسى بن أنس‏)‏ هو متصل بالإسناد المذكور إلى موسى، لكن ظاهره أن باقي الحديث مرسل، وقد أخرجه مسلم متصلا بلفظ ‏"‏ قال فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ بل هو من أهل الجنة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ببشارة عظيمة‏)‏ هي بكسر الموحدة وحكي ضمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولكن من أهل الجنة‏)‏ قال الإسماعيلي‏:‏ إنما يتم الغرض بهذا الحديث أي من إيراده في ‏"‏ باب علامة النبوة ‏"‏ بالحديث الآخر أي الذي مضى في كتاب الجهاد في ‏"‏ باب التحنط عند القتال ‏"‏ فإن فيه أنه قتل باليمامة شهيدا يعني وظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة ‏"‏ لكونه استشهد‏.‏

قلت‏:‏ ولعل البخاري أشار إلى ذلك إشارة لأن مخرج الحديثين واحد والله أعلم‏.‏

ثم ظهر لي أن البخاري، أشار إلى ما في بعض طرق حديث نزول الآية المذكورة وذلك فيما رواه ابن شهاب عن إسماعيل ابن محمد بن ثابت قال ‏"‏ قال ثابت بن قيس بن شماس‏:‏ يا رسول الله إني أخشى أن أكون قد هلكت، فقال‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير ‏"‏ الحديث، وفيه ‏"‏ فقال له عليه الصلاة والسلام‏:‏ أما ترضى أن تعيش سعيدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ‏"‏ وهذا مرسل قوي الإسناد أخرجه ابن سعد عن معن بن عيسى عن مالك عنه، وأخرجه الدار قطني في ‏"‏ الغرائب ‏"‏ من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مالك كذلك، ومن طريق سعيد بن كثير عن مالك فقال فيه ‏"‏ عن إسماعيل عن ثابت بن قيس ‏"‏ وهو مع ذلك مرسل لأن إسماعيل لم يلحق ثابتا، وأخرجه ابن مردويه من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري فقال ‏"‏ عن محمد بن ثابت بن قيس أن ثابتا ‏"‏ فذكر نحوه، وأخرجه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري معضلا ولم يذكر فوقه أحدا وقال في آخره ‏"‏ فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة ‏"‏ وأصرح من ذلك ما روى ابن سعد بإسناد صحيح أيضا من مرسل عكرمة قال ‏"‏ لما نزلت ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم‏)‏ الآية قال ثابت بن قيس‏:‏ كنت أرفع صوتي فأنا من أهل النار، فقعد في بيته ‏"‏ فذكر الحديث نحو حديث أنس وفي آخره ‏"‏ بل هو من أهل الجنة‏.‏

فلما كان يوم اليمامة انهزم المسلمون فقال ثابت‏:‏ أف لهؤلاء ولما يعبدون، وأف لهؤلاء ولما يصنعون، قال ورجل قائم على ثلمة فقتله وقتل ‏"‏ وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس في قصة ثابت بن قيس فقال في آخرها ‏"‏ قال أنس‏:‏ فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط فقاتل حتى قتل ‏"‏ وروى ابن المنذر في تفسيره من طريق عطاء الخراساني قال‏:‏ ‏"‏ حدثتني بنت ثابت بن قيس قالت‏:‏ لما أنزل الله هذه الآية دخل ثابت بيته فأغلق بابه - فذكر القصة مطولة وفيها قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ تعيش حميدا وتموت شهيدا ‏"‏ وفيها ‏"‏ فلما كان يوم اليمامة ثبت حتى قتل‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ فَسَلَّمَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ أَوْ سَحَابَةٌ غَشِيَتْهُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اقْرَأْ فُلَانُ فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

حديث البراء ‏"‏ قرأ رجل الكهف ‏"‏ هو أسيد بن حضير كما سيأتي بيان ذلك في فضائل القرآن بأتم منه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا فَقَالَ لِعَازِبٍ ابْعَثْ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي قَالَ فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ وَبَسَطْتُ فِيهِ فَرْوَةً وَقُلْتُ نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا فَقُلْتُ لَهُ لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ قُلْتُ أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَتَحْلُبُ قَالَ نَعَمْ فَأَخَذَ شَاةً فَقُلْتُ انْفُضْ الضَّرْعَ مِنْ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى قَالَ فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَوِي مِنْهَا يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَصَبَبْتُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ فَقُلْتُ اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا مَالَتْ الشَّمْسُ وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقُلْتُ أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ شَكَّ زُهَيْرٌ فَقَالَ إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَجَا فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ قَالَ وَوَفَى لَنَا

الشرح‏:‏

حديث البراء عن أبي بكر في قصة الهجرة، وقد تقدم شرح بعضه في آخر اللقطة، وقوله هنا في أوله ‏"‏ حدثنا محمد بن يوسف ‏"‏ هو البيكندي وهو من صغار شيوخه، وشيخه الآخر محمد بن يوسف الفريابي أكبر من هذا وأقدم سماعا وقد أكثر البخاري عنه، وأحمد بن يزيد يعرف بالورتنيسي، بفتح الواو وسكون الراء وفتح المثناة وتشديد النون المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة، وزهير بن معاوية هو أبو خيثمة الجعفي قال البزار‏:‏ لم يرو هذا الحديث تاما عن أبي إسحاق إلا زهير وأخوه خديج وإسرائيل، وروى شعبة منه قصة اللبن خاصة، انتهى‏.‏

وقد رواه عن إسحاق مطولا أيضا حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وهو في ‏"‏ باب الهجرة إلى المدينة ‏"‏ لكنه لم يذكر فيه قصة سراقة وزاد فيه قصة غيرها كما سيأتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جاء أبو بكر‏)‏ أي الصديق ‏(‏إلى أبي‏)‏ هو عازب بن الحارث بن عدي الأوسي من قدماء الأنصار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاشترى منه رحلا‏)‏ بفتح الراء وسكون المهملة هو للناقة كالسرج للفرس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ابعث ابنك يحمله معي، قال فحملته وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي‏:‏ يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما‏)‏ ووقع في رواية إسرائيل الآتية في فضل أبي بكر ‏"‏ إن عازبا امتنع من إرسال ابنه مع أبي بكر حتى يحدثه أبو بكر بالحديث ‏"‏ وهي زيادة ثقة مقبولة لا تنافي هذه الرواية، بل يحتمل قوله ‏"‏ فقال له أبي ‏"‏ أي من قبل أن أحمله معه، أو أعاد عازب سؤال أبي بكر عن التحديث بعد أن شرطه عليه أولا وأجابه إليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حين سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ فعم أسرينا‏)‏ هكذا استعمل كل منهما إحدى اللغتين، فإنه يقال سريت وأسريت في سير الليل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليلتنا‏)‏ أي بعضها، وذلك حين خرجوا من الغار كما سيأتي بيانه في حديث عائشة في الهجرة إلى المدينة، ففيها أنهما لبثا في الغار ثلاث ليال ثم خرجا، وقوله‏:‏ ‏"‏ ومن الغد ‏"‏ فيه تجوز لأن السير الذي عطف عليه سير الليل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى قام قائم الظهيرة‏)‏ أي نصف النهار، وسمي قائما لأن الظل لا يظهر حينئذ فكأنه واقف، ووقع في رواية إسرائيل ‏"‏ أسرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا ‏"‏ أي دخلنا في وقت الظهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرفعت لنا صخرة‏)‏ أي ظهرت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم تأت عليها‏)‏ أي على الصخرة، وللكشميهني ‏"‏ لم تأت عليه ‏"‏ أي على الظل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبسطت عليه فروة‏)‏ هي معروفة، ويحتمل أن يكون المراد شيء من الحشيش اليابس، لكن يقوي الأول أن في رواية يوسف بن إسحاق ‏"‏ ففرشت له فروة معي ‏"‏ وفي رواية خديج في جزء لوين ‏"‏ فروة كانت معي‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأنا أنفض لك ما حولك‏)‏ يعني من الغبار ونحو ذلك حتى لا يثيره عليه الريح، وقيل‏:‏ معنى النفض هنا الحراسة يقال نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه، ويؤيده قوله في رواية إسرائيل ‏"‏ ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لرجل من أهل المدينة أو مكة‏)‏ هو شك من الراوي أي اللفظين قال، وكأن الشك من أحمد بن يزيد فإن مسلما أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أعين عن زهير فقال فيه ‏"‏ لرجل من أهل المدينة ‏"‏ ولم يشك، ووقع في رواية خديج ‏"‏ فسمى رجلا من أهل مكة ‏"‏ ولم يشك، والمراد بالمدينة مكة ولم يرد بالمدينة المدينة النبوية لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة وإنما كان يقال لها يثرب، وأيضا فلم تجر العادة للرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة، ووقع في رواية إسرائيل ‏"‏ فقال لرجل من قريش سماه فعرفته ‏"‏ وهذا يؤيد ما قررته لأن قريشا لم يكونوا يسكنون المدينة النبوية إذ ذاك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أفي غنمك لبن‏)‏ بفتح اللام والموحدة، وحكى عياض أن في رواية ‏"‏ لب ‏"‏ بضم اللام وتشديد الموحدة جمع ‏"‏ لابن ‏"‏ أي ذوات لبن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أفتحلب قال نعم‏)‏ الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام أمعك إذن في الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة‏؟‏ وبهذا التقرير يندفع الإشكال الماضي في أواخر اللقطة وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم‏؟‏ ويحتمل أن يكون أبو بكر لما عرفه عرف رضاه بذلك بصداقته له أو إذنه العام لذلك، وقد تقدم باقي ما يتعلق بذلك هنا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقلت انفض الضرع‏)‏ أي ثدي الشاة‏.‏

وفي رواية إسرائيل الآتية ‏"‏ وأمرته فاعتقل شاة ‏"‏ أي وضع رجلها بين فخذيه أو ساقيه يمنعها من الحركة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأخذت قدحا فحلبت‏)‏ في رواية ‏"‏ فأمرت الراعي فحلب ‏"‏ ويجمع بأنه تجوز في قوله‏:‏ ‏"‏ فحلبت ‏"‏ ومراده أمرت بالحلب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كثبة‏)‏ بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة أي قدر قدح وقيل حلبة خفيفة، ويطلق على القليل من الماء واللبن وعلى الجرعة تبقى في الإناء وعلى القليل من الطعام والشراب وغيرهما من كل مجتمع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واتبعنا سراقة بن مالك‏)‏ في رواية إسرائيل ‏"‏ فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا غير سراقة بن مالك بن جعشم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فارتطمت‏)‏ بالطاء المهملة أي غاصت قوائمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أرى‏)‏ بضم الهمزة ‏(‏في جلد من الأرض شك زهير‏)‏ أي الراوي هل قال هذه اللفظة أم لا، والجلد بفتحتين الأرض الصلبة‏.‏

وفي رواية مسلم أن الشك من زهير في قول سراقة ‏"‏ قد علمت أنكما قد دعوتما علي ‏"‏ ووقع في رواية خديج بن معاوية وهو أخو زهير ‏"‏ ونحن في أرض شديدة كأنها مجصصة، فإذا بوقع من خلفي فالتفت فإذا سراقة، فبكى أبو بكر فقال‏:‏ أتينا يا رسول الله، قال‏:‏ كلا، ثم دعا بدعوات ‏"‏ وستأتي قصة سراقة في أبواب الهجرة إلى المدينة من حديث سراقة نفسه بأتم من سياق البراء فلذلك أخرت شرحها إلى مكانها‏.‏

وفي الحديث معجزة ظاهرة، وفيه فوائد أخرى يأتي ذكرها في مناقب أبي بكر الصديق‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ طَهُورٌ كَلَّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَعَمْ إِذًا

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس في قصة الأعرابي الذي أصابته الحمى فقال‏:‏ ‏"‏ حمى تفور على شيخ كبير ‏"‏ الحديث، وسيأتي شرحه في كتاب الطب، ووجه دخوله في هذا الباب أن في بعض طرقه زيادة تقتضي إيراده في علامات النبوة، أخرجه الطبراني وغيره من رواية شرحبيل والد عبد الرحمن فذكر نحو حديث ابن عباس، وفي آخره ‏"‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما إذا أبيت فهي كما تقول قضاء الله كائن، فما أمسى من الغد إلا ميتا ‏"‏ وبهذه الزيادة يظهر دخول هذا الحديث في هذا الباب‏.‏

وعجبت للإسماعيلي كيف نبه على مثل ذلك في قصة ثابت بن قيس وأغفله هنا‏.‏

ووقع في ‏"‏ ربيع الأبرار ‏"‏ أن اسم هذا الأعرابي قيس، فقال في ‏"‏ باب الأمراض والعلل ‏"‏ دخل النبي صلى الله عليه وسلم على قيس بن أبي حازم يعوده، فذكر القصة‏.‏

ولم أر تسميته لغيره، فهذا إن كان محفوظا فهو غير قيس بن أبي حازم أحد المخضرمين، لأن صاحب القصة مات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقيس لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في حال إسلامه فلا صحبة له، ولكن أسلم في حياته، ولأبيه صحبة وعاش بعده دهرا طويلا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ

الشرح‏:‏

حديث أنس في الذي أسلم ثم ارتد فدفن فلفظته الأرض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان رجل نصرانيا‏)‏ لم أقف على اسمه، لكن في رواية مسلم من طريق ثابت عن أنس ‏"‏ كان منا رجل من بني النجار‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فعاد نصرانيا‏)‏ في رواية ثابت‏:‏ ‏"‏ فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فرفعوه‏:‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما يدري محمد إلا ما كتبت له‏)‏ في رواية الإسماعيلي ‏"‏ كان يقول ما أرى يحسن محمد إلا ما كنت أكتب له ‏"‏ وروى ابن حبان من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأماته الله‏)‏ في رواية ثابت ‏"‏ فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما هرب منهم‏)‏ في رواية الإسماعيلي ‏"‏ لما لم يرض دينهم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لفظته الأرض‏)‏ بكسر الفاء أي طرحته ورمته، وحكي فتح الفاء‏.‏

قوله‏:‏ في آخره ‏(‏فألقوه‏)‏ في رواية ثابت ‏"‏ فتركوه منبوذا‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة ‏"‏ إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كسرى‏)‏ بكسر الكاف ويجوز الفتح، وهو لقب لكل من ولي مملكة الفرس، وقيصر لقب لكل من ولي مملكة الروم، قال ابن الأعرابي‏:‏ الكسر أفصح في كسرى، وكان أبو حاتم يختاره، وأنكر الزجاج الكسر على ثعلب واحتج بأن النسبة إليه كسروي بالفتح، ورد عليه ابن فارس بأن النسبة قد يفتح فيها ما هو في الأصل مكسور أو مضموم كما قالوا في بني تغلب بكسر اللام تغلبي بفتحها، وفي سلمة كذلك، فليس فيه حجة على تخطئة الكسر، والله أعلم‏.‏

وقد استشكل هذا مع بقاء مملكة الفرس لأن آخرهم قتل في زمان عثمان، واستشكل أيضا مع بقاء مملكة الروم وأجيب عن ذلك بأن المراد لا يبقى كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، وهذا منقول عن الشافعي قال‏:‏ وسبب الحديث أن قريشا كانوا يأتون الشام والعراق تجارا، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لدخولهم في الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لهم تطييبا لقلوبهم وتبشيرا لهم بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين‏.‏

وقيل‏:‏ الحكمة في أن قيصر بقي ملكه وإنما ارتفع من الشام وما والاها وكسرى ذهب ملكه أصلا ورأسا أن قيصر لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبله وكاد أن يسلم كما مضى بسط ذلك في أول الكتاب، وكسرى لما أتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مزقه فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق ملكه كل ممزق فكان كذلك‏.‏

قال الخطابي‏:‏ معناه فلا قيصر بعده يملك مثل ما يملك، وذلك أنه كان بالشام وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا به، ولا يملك على الروم أحد إلا كان قد دخله إما سرا وإما جهرا، فانجلى عنها قيصر واستفتحت خزائنه ولم يخلفه أحد من القياصرة في تلك البلاد بعد، ووقع في الرواية التي في ‏"‏ باب الحرب خدعة ‏"‏ من كتاب الجهاد ‏"‏ هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وليهلكن قيصر ‏"‏ قيل‏:‏ والحكمة فيه أنه قال ذلك لما هلك كسرى بن هرمز كما سيأتي في حديث أبي بكرة في كتاب الأحكام قال‏:‏ ‏"‏ بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم امرأة ‏"‏ الحديث، وكان ذلك لما مات شيرويه بن كسرى فأمروا عليهم بنته بوران، وأما قيصر فعاش إلى زمن عمر سنة عشرين على الصحيح، وقيل مات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والذي حارب المسلمين بالشام ولده وكان يلقب أيضا قيصر، وعلى كل تقدير فالمراد من الحديث وقع لا محالة لأنهما لم تبق مملكتهما على الوجه الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما قررته‏.‏

قال القرطبي في الكلام على الرواية التي لفظها ‏"‏ إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ‏"‏ وعلى الرواية التي لفظها ‏"‏ هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده ‏"‏‏:‏ بين اللفظين بون، ويمكن الجمع بأن يكون أبو هريرة سمع أحد اللفظين قبل أن يموت كسرى والآخر بعد ذلك، قال‏:‏ ويحتمل أن يقع التغاير بالموت والهلاك، فقوله‏:‏ ‏"‏ إذا هلك كسرى ‏"‏ أي هلك ملكه وارتفع، وأما قوله ‏"‏ مات كسرى ثم لا يكون كسرى بعده ‏"‏ فالمراد به كسرى حقيقة اهـ‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد بقوله ‏"‏ هلك كسرى ‏"‏ تحقق وقوع ذلك حتى عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان لم يقع بعد للمبالغة في ذلك كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏أتى أمر الله فلا تستعجلوه‏)‏ وهذا الجمع أولى لأن مخرج الروايتين متحد فحمله على التعدد على خلاف الأصل فلا يصار إليه مع إمكان هذا الجمع، والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ قَالَ إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَذَكَرَ وَقَالَ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

الشرح‏:‏

حديث جابر بن سمرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رفعه‏)‏ تقدم في الجهاد، ووقع في رواية الإسماعيلي التي سأذكرها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا تقدم في فرض الخمس من رواية جرير عن عبد الملك بن عمير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده‏)‏ كذا ثبت لأبي ذر وسقط لغيره، ووقع في رواية الإسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة شيخ البخاري فيه، ومن وجه آخر عن سفيان وهو الثوري مثل رواية الجماعة، قال‏:‏ وكذا قال لم يذكر قيصر وقال كنوزهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذكر وقال لتنفقن كنوزهما في سبيل الله‏)‏ وقع في رواية النسفي ‏"‏ وذكره ‏"‏ وهو متجه كأنه يقول‏:‏ وذكر الحديث، أي مثل الذي قبله، وأما على رواية الباقين ففيه حذف تقديره‏:‏ وذكر كلاما أو حديثا، ولم تقع هذه الزيادة في رواية الإسماعيلي المذكورة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رَأَيْتُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس في قدوم مسيلمة، وفيه قول ابن عباس ‏"‏ فأخبرني أبو هريرة ‏"‏ فذكر المنام، وسيأتي شرح ذلك كله مبسوطا في أواخر المغازي، وقد ذكر هناك بالإسناد المذكور‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ

الشرح‏:‏

حديث أبي موسى في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالهجرة وبأحد وسيأتي في ذكر غزوة أحد بهذا الإسناد بعينه وأذكر هناك شرحه إن شاء الله تعالى، وقد أفرد ما يتعلق منه بغزوة بدر في ‏"‏ باب فضل من شهد بدرا ‏"‏ وشرحته هناك، وعلق في ‏"‏ باب الهجرة إلى المدينة ‏"‏ أوله عن أبي موسى، وذكرت شرحه أيضا هناك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي فَبَكَيْتُ فَقَالَ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ

الشرح‏:‏

حديث عائشة ‏"‏ أقبلت فاطمة عليها السلام ‏"‏ الحديث في ذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وإعلامه لها بأنها أول أهله لحوقا به، أخرجه من وجهين، وسيأتي في أواخر المغازي في الوفاة مشروحا وأذكر فيه وجه التوفيق بين الروايتين إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ قَالَ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس ‏"‏ كان عمر يدني ابن عباس ‏"‏ الحديث في معنى هذه الآية ‏(‏إذا جاء نصر الله والفتح‏)‏ وسيأتي شرحه في تفسير سورة النصر‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس أيضا في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره، وفيه وصيته بالأنصار، وسيأتي شرحه في مناقب الأنصار إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْحَسَنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

الشرح‏:‏

حديث أبي بكر في أن الحسن سيد، وسيأتي شرحه في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ

الشرح‏:‏

حديث أنس في قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، أورده مختصرا، وسيأتي شرحه في شرح غزوة مؤتة إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ قُلْتُ وَأَنَّى يَكُونُ لَنَا الْأَنْمَاطُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمْ الْأَنْمَاطُ فَأَنَا أَقُولُ لَهَا يَعْنِي امْرَأَتَهُ أَخِّرِي عَنِّي أَنْمَاطَكِ فَتَقُولُ أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ الْأَنْمَاطُ فَأَدَعُهَا

الشرح‏:‏

حديث جابر في ذكر الأنماط، وهي جمع نمط بفتحات مثل خبر وأخبار، والنمط بساط له خمل رقيق، وسيأتي شرحه في النكاح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ذلك لما تزوج، وقوله هنا‏:‏ ‏"‏ فأنا أقول لها ‏"‏ يعني امرأته كذا في الأصل، وسيأتي تسمية امرأته هناك‏.‏

وفي استدلالها على جواز اتخاذ الأنماط بإخباره صلى الله عليه وسلم بأنها ستكون نظر، لأن الإخبار بأن الشيء سيكون لا يقتضي إباحته إلا إن استدل المستدل به على التقرير فيقول أخبر الشارع بأنه سيكون ولم ينه عنه فكأنه أقره، وقد وقع قريب من هذا في حديث عدي بن حاتم الماضي في هذا الباب في خروج الظعينة من الحيرة إلى مكة بغير خفير، فاستدل به بعض الناس على جواز سفر المرأة بغير محرم، وفيه من البحث ما ذكر‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا قَالَ فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ سَعْدٌ أَنَا سَعْدٌ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَتَلَاحَيَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ أُمَيَّةُ لسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ قَالَ فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ دَعْنَا عَنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ قَالَ إِيَّايَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ قَالَتْ وَمَا قَالَ قَالَ زَعَمَ أَنَّه سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ قَالَ فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ قَالَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللَّهُ

الشرح‏:‏

حديث عبد الله بن مسعود في إخبار سعد بن معاذ لأمية بن خلف أنه سيقتل، وسيأتي شرحه مستوفى في أول المغازي إن شاء الله تعالى، وقد شرحه الكرماني على أن المراد بقول سعد بن معاذ لأمية بن خلف أنه قاتلك أي أبو جهل، ثم استشكل ذلك بكون أبي جهل على دين أميه، ثم أجاب بأنه كان السبب في خروجه وقتله فنسب قتله إليه، وهو فهم عجيب، وإنما أراد سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل أمية، وسيأتي التصريح بذلك في مكانه بما يشفي الغليل إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ وَقَالَ هَمَّامٌ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ

الشرح‏:‏

حديث ابن عمر في رؤيا أبي بكر ينزع ذنوبا أو ذنوبين الحديث، وسيأتي شرحه في تعبير الرؤيا إن شاء الله تعالى‏.‏

وحديث أبي هريرة في ذلك، أورد منه طرفا معلقا، وهو موصول في التعبير أيضا من هذا الوجه ومن غيره، والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ مَنْ هَذَا أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ قَالَتْ هَذَا دِحْيَةُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ جِبْرِيلَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

الشرح‏:‏

حديث أسامة بن زيد في ذكر جبريل، وسيأتي شرحه في غزوة قريظة إن شاء الله تعالى‏.‏